أو من كان ميتاً فأحييناه/ عبدالله بدر السلطان


القرينة الملازمة لبيان المراحل المتعددة للإنسان في القرآن الكريم قد تخرجه عن وجوده المادي الذي لم يدخله التشريع بعد، ولذلك فإن الدلائل القرآنية لا تنسب إليه الصورة الإيمانية التي تقتضي التوجه إلى التداعيات المرتبطة في حياته المعنوية وكمالها المستمد من حركته في الوجود من خلال البصائر والملكات التي زود بها. ومن هنا فقد أشار الحق سبحانه إلى أصل الإنسان بقوله: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) الإنسان 1. أي إن هذا الإنسان لم يكن شيئاً مذكوراً في الأزل، ولذا فرع هذا الوجود على بيان الهدى المتمثل في السبيل الذي يصل به إما إلى الشكر وإما إلى الكفر، كما في قوله تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) الإنسان 3. وبناء على تحقق وجود الإنسان بهذه الحيثية المجردة فقد بين القرآن الكريم جميع المقتضيات التي تجعله بمنأى عن الترابط المعنوي الذي خلق من أجله، ولهذا أشار إليه بأنه هلوع، جزوع، كفور، عجول، كنود، قتور، مختال، فخور، ظلوم، منوع، وما إلى ذلك. ثم جمع سبحانه هذه الأوصاف في الكبرى بقوله: (والعصر... إن الإنسان لفي خسر) العصر 1- 2. ثم أخرج الذين آمنوا عن هذه القاعدة بواسطة القرائن التي جاءت مكملة لإيمانهم والتي أشار إليها في سياق السورة.
 
وبناءً على هذا التفريق فقد أودع الله تعالى في الإنسان حقيقة الخلق المتفرعة على ما سخر له من أسباب  
وجعل النظام الكوني الذي يليه خاضعاً لإرادته، علماً أن هذا التسخير قد ذكر في كثير من متفرقات القرآن الكريم كقوله في الصغرى: (هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) يونس 5. وأخيراً فرع ذلك على المهمة التي خلق من أجلها فقال: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً) الإسراء 78. وكذا قوله: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) طه 130. وبهذا يظهر أن قوله تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة) فاطر 45. يوحي بأن كل شيء خلق من أجله، ولهذا فإن هلاك الدواب مرتبط بهلاك الإنسان، وكذلك فإن مهمة الموجودات الأخرى سوف تنتهي بنهاية الإنسان، وقد بين سبحانه هذا المعنى في قوله: (إذا الشمس كورت) التكوير 1. والآيات التي بعدها، ولأجل الاختصار يمكن القول إن الله تعالى قد بين كل ما سخر للإنسان في قوله: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) الجاثية 13. وهذه هي الكبرى التي تتفرع عليها آيات التسخير.
 
مما سبق نعلم أن حياة كل إنسان تعادل حياة الناس جميعاً باعتبار أن المهمة الوجودية لا تقتصر على الكم، ولهذا جاء التشريع بالحفاظ على حياة هذا الكائن بنوعه، كما أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) المائدة 32. فإن قيل: لمَ كتب هذا الأمر على بني إسرائيل دون غيرهم؟ أقول الكتابة تجري فيهم وفي غيرهم إلا أن سن القوانين التشريعية وتفصيل الأحكام ذكر في التوراة. وبناءً على ما مر يمكننا القول إن الذي تتفرع عليه النفس الإنسانية إلى ما يرتقي بها ويخرجها من ضلالها إلى وجودها يتجسد في الصغرى التي أشار إليها سبحانه بقوله: (يا ايها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) الأنفال 24. أي لما يحييكم في الدعوة إلى الله تعالى والتي تنطبق مصاديقها على العلم والإيمان والعمل الصالح.
 
فإن قيل: كيف يمكن استمرار الدعوة بما فيها من مصاديق دون أن يحصل الإنسان على أسباب حياته المادية؟ أقول: عند تأمل المعنى المشار إليه في الآية نجد أن الحياة المادية لا تخرج عنه باعتبار أن الشريعة تحمل في تراكيبها كل المعطيات التي تحقق للإنسان سعادته المادية أو الروحية، وقد بين سبحانه هذه المعطيات بقوله: (كلوا من طيبات ما رزقناكم) البقرة 57. وكذا قوله: (ومن الأنعام حمولة وفرشاً كلوا مما رزقكم الله) الأنعام 142. وقوله تعالى: (كلوا وارعوا أنعامكم) طه 54. ثم بين تعالى علة هذا الأمر بقوله: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم) المؤمنون 51. وعند تأمل هذه النتيجة نصل إلى أن الحياة الثانية لا تخرج عن الحياة المادية إلا أن لوازمها لا تنفك عن القيم الروحية.

 ومن هنا فقد أشار سبحانه وتعالى إلى الكبرى بقوله: (أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) الأنعام 122. وأنت خبير بأن الموت المشار إليه في الآية لا يراد منه الموت الحقيقي وإنما الموت الذي يحمل صفات الحياة المفارقة للعلم والإيمان وما يترتب على ذلك من لوازم الطاعة، وإن شئت فقل تلك الحياة التي تجانب الروح المعنوية التي يتطلع الإنسان من خلالها إلى النهج الذي يبين له القيم والمعاني السامية أو بتعبير آخر يمكن أن تجرد إنسانيته عن جميع التشريعات التي تبين له الفرق بين الفعل والترك ومن هنا يكون مسيراً من قبل شهواته التي لا يستطيع أن يضعها في المكان المخصص لها.
 
وبناءً على هذا يكون الإنسان الذي بينا صفاته أقرب إلى أولئك الذين أشار إليهم سبحانه بقوله: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً) الفرقان 44. وقريب منه الأعراف 179. وإذا ما وصل الإنسان إلى هذه المرحلة تجده ينظر إلى الحقائق بنظرة أخرى حتى يصبح لا يفرق بين الحق والباطل أو الخير والشر، وهذا ما نراه اليوم لدى كثير من الناس الذين ابتعدوا عن منهج الله تعالى حتى وصلوا إلى المرحلة التي يسمون الأشياء من خلالها بغير مسمياتها. أما الإنسان الذي أحياه الله تعالى وجعل له نوراً يمشي به في الناس كما أشارت إلى ذلك آية البحث فهو أيضاً يرى ما لا يراه الناس ولكن من الجهة المقابلة فتأمل ذلك. من هنا يظهر أن الحياة الثانية التي يهبها الله تعالى للإنسان لا تخرج عن مفهوم العلم والإيمان.  

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق